تسجيل الدخول
سئمنا اللوم … لنحاول قبل أن نلوم



كتابة: آلاء سليمان
أنا والكثير غيري من العرب سئمنا اللوم في حياتنا، وسئمنا اصطناع المبررات والأعذار التي نعلق عليها أخطاءنا، وسئمنا التغني بأمجاد الماضي والتحسر عليها، وسئمنا شتماً وتحقيراً ولوماً وتصغيراً لأنفسنا، وسئمنا إعجاباً وانبهاراً بحضارة وليدة، وسئمنا تنصلاً من ثقافتنا وانسلاخاً من جلدنا واكتساءً بما لايمت لنا بأصلٍ ولا بعِرق ولا بثقافة ولا عُرف ولاخُلق، وسئمنا اللوم والضعف والاتكالية، وسئمنا الجهل والتخلُّف والتبعية، ففي أيّ مكان وفي كل مكان ترى من يعرف ومن لايعرف ومن يفعل ومن لايفعل من يقرأ ومن لايقرأ يتحدث عن تردي وضع العرب الثقافي وانحدارهم وتخلفهم –وكأن المتحدث من بلاد الواق الواق وليس منهم!- وترى الجميع يستصرخ ويقول أن أمة إقرأ لا تقرأ ثم يعرضون أرقاماً وإحصاءات- رغم ندرتها- قد قامت بها مؤسسة غير عربية! ليصوروا لنا الوضع المؤلم والصاعق!
وإذا ما جاء الحديث عن الأسباب وراء تلك النتائج ترى الحديث تركز- بغالبيته- على القراء والدولة ودورها الغائب في التشجيع متناسين دور الكاتب والناشر وكل شخص وفئة من فئات المجتمع ومؤسساته في نشر ثقافة القراءة وتنميتها.
ومن تجربتي في السنوات الأخيرة في هذا الحقل بكل فروعه، وبحثي في هذا المجال ألخص بعضاً مما توصلت إليه من أسباب تردي القراءة والثاقفة وبعض المقترحات من وجهة نظري لتغيير حالنا للأفضل:
1- تقوقع معظم الكتّاب في الأسلوب التقليدي للكتابة وافتقار االساحة العربية للكتّاب في المجالات العلمية والتكنولوجية وغيرها من القطاعات غير الأدبية والدينية، فلم نصل بعد لما وصل له الغرب ليعمل لغوي ولربما طاقم من اللغوين والمدققين ممن يتقنون اللغة العربية لدى من يملكون أفكاراً جديدة وابداعية في المجالات غير الأدبية لاسيما العلمية والمال والاقتصاد والإدارة وغيرها ليصوغوا لهم أفكارهم بالصورة الأسلم والأوضح والأرصن لغوياً ليخرجوا نهاية بكتاب مبدع يحمل في طياته مادة مميزة هي مزيج من جهد مشترك فنحن مصرون على أن يكون المؤلف هو صاحب الأفكار والكاتب الذي يصوغ الكلام بطريقة أدبية فلا المؤلف يتقبل فكرة من يكتب له ولا اللغوي يقبل بأن يكتب لغيره.
2- التخلف الذي يعاني منه قطاع الكتب بكامله بداية من بعض المؤلفين أقول البعض دون تعميم ونهاية بالمكتبات ومحلات بيع الكتب والذي يستدل عليه من أبسط شيء وهو عدم توفر احصائية واحدة عربية تقول عدد النسخ المبيعة من أي كتاب عربي أواحصائية لعدد رواد المكتبات العامة أوعدد القراء لموضوع ما استناداً على بيانات المكتبات ودور النشر وغيرها من الجهات المختصة، رغم أنه من المفترض بأن تكون هذه المعلومات منشورة في الاعلام ومتاحة على الانترنت فإنها من إحدى أهم الوسائل الترويجية التسويقية للكتب لكن (للأسف!) ربما لم يعرف بعد الناشرون وأصحاب المكتبات بأهميتها في التسويق والمبيعات!
3- الإعلام وهنا يجدر بالذكر بأن الإعلام له دور مهم في هذا الموضوع – يكاد يكون معدوم عربياً- وهو ينقسم الى ثلاثة أقسام الأول يكمن في أنه يعكس صورة خاصة للإنسان القارئ إما بصورة سلبية بتصويره إنساناً معقداً غير اجتماعي منعزل أو قد يصوره إنساناً مترفع عن الآخرين والساخط على المجتمع واسع المدارك و… و.. وعلى كلا الحالتين فإنهم يعكسون الإنسان القارئ بأنه إنسان خاص مختلف ليس كباقي البشر وهذا خطأ فادح على الإعلام تغيره بتصوير القراءة عادة وثقافة لدى أي إنسان كان وأياً كانت مهنته وأياً كانت اهتماماته وهواياته رياضية أوفنية أوغيرها.
والقسم الثاني يكمن في إفراد وتخصيص الحديث عن الكتاب والكتّاب في برامج أوصفحات أومواقع ثقافية متخصصة تكون موجهة لفئة معينة لا يتابعها غيرهم واختيار نوعية محددة من الكتب للحديث فيها وعنها.
والقسم الثالث هو عدم استخدام الاعلام كوسيلة تسويقية إعلانية للكتب في الدول العربية نهائيا لا بشكل مباشر من خلال الاعلان الصريح عن الكتب ولا حتى بشكل غير مباشر من خلال ذكرها في المسلسلات والأفلام وغيرها.
بيد أن الاعلام المرئي والمسموع فقط لغايات ربحية مادية بحتة مجردة من أي دافع ثقافي ومسؤولية وطنية مجتمعية متزامنا مع غياب صناع القرار من التدخل في هذا الأمر إما لمصالح مشتركة وإما رغبة في تضليل الشعوب وافسادها مما يصب نهاية لمصالحهم وأهدافهم.
4- عدم اهتمام دور النشر لتطوير وابتكار وابتداع طرق جديدة ومميزة في التسويق والترويج للكتب ابتداء من غلاف الكتاب وانتهاء في وضع خطة اعلانية تسويقية لنشره والتعريف به، والتركيز على وسائل التكنولوجيا.
5- افتقار المترجمين العرب وقلة ثقافتهم بالعلوم التي قد يترجموا فيها، فيكون اختيارهم من نواحي أدبية ولغوية وقواعدية مما يجعل الترجمة تفقد المعنى الحقيقي والفكرة العميقة التي سعى إليها الكاتب الأصلي أو لجؤهم لاشتقاق واستنباط مصطلحات جديدة وتعريب بعض المصطلحات غير المعروفة والتي أحياناً قد تكون غير مهمة أوهامشية في الفكرة مما يشتت القارئ ويفقد الفكرة معناها، مما بدوره يُفقد الكتاب جماليته ومتعته ليجعل الكثيرين يفضلون القراءة باللغات الأخرى.
7- استبداد دور النشر في الكتّاب وضيق ذات اليد لمعظم المؤلفين والكتّاب مما يجعلهم يحتفظون بمؤلفاتهم في الخزائن بدلاً من نشرها والتي قد تكون من أفضل المؤلفات والكتب مما يجعل الثقافة العربية تخسر الكثير من الفرص بالتطور والافتقار للمحتوى المميز الذي افتقد التقدير وقد يكون رفض أوحتى استغلال دور النشر له لينشر بشروط مجحفة تفرض عليه في أغلب الاحيان الاحتكار لفترات كبيرة ومن ثم لا يكلف الناشر نفسه قيد أنملة تسويق الكتاب والكاتب مما قد يجعل كتابه يوأد قبل ولادته.
8- تنصل كل أصحاب المسؤولية عن القيام بواجبهم لنشر ثقافة وعادة القراءة بين من هم تحت مسؤوليتهم فكل فرد وكل مؤسسة مهما كان دورهم هم مسؤولون عن نشر عادة وثقافة القراءة مهما كان موقعهم أو صفتهم وعلى سبيل المثال لا الحصر:
- الوالدين يكون دورهم سواء بالقدوة من خلال ممارسة القراءة أمام أطفالهم أوكمحفز وداعم لهذه العادة من خلال شراء الكتب والمكافئة والتشجيع عليها دون اكراه.
- المدرسة كمؤسسة تعليمية من خلال ابتكار وسائل جديدة غير تقليدية أومملة لتشجع الطالب على القراءة ولتجعل القراءة تجربة وعادة محببة وممتعة لدى الطلاب.وكذلك للمعلمين سواء بكونهم موجهين ومخططين لفعاليات ونشاطات للقراءة أوحتى كونهم قدوة يحتذى بها وكذلك المديرين بالنسبة للمعلمين كمحفز لهم على القراءة وهكذا…وصولاً لوزارة التعليم.
- المؤسسات الحكومية والخاصة والتي يتوجب عليها تشجيع القراءة بل فرضها أحياناً كمتطلب دائم لتطور وتقدم الموظف سواء بالحوافز أو بتخصيص وقت مقتطع للقراءة خلال الدوام الرسمي او حتى بتنظيم نشاطات وفعاليات ممتعة ومفيدة خارج نطاق العمل فيكون مردودها استثمارياً رائعاً على العمل وعلى الموظفين أنفسهم وحتى في تطوير المؤسسة في شتى النواحي فالاستثمار البشري هو أعلى مستويات الاستثمار في أي مؤسسة فنتائجة لاتنعكس على الشخص والمؤسسة فحسب بل على مستوى الدولة والعالم.
9- خوف الكتاب والناشرين من تقبل الأفكار الجديدة التكنولوجية ظانين بأنها ستصبح بديلاً عن الكتاب الورقي في حين أن هذه الأفكار هي مكمل لهم مثل الكتاب الصوتي المسموع (audiobook) أو الكتاب النصي الالكتروني (e-book ) فهم يوفرون على دار النشر والمؤلف اعباء النقل والشحن والتراخيص الدولية وغيرها.
في النهاية أنا لا أرفع اللوم عن المواطن العربي ولا أنزّهه من الجهل أحياناً أوتفاهة الاهتمامات والميول أحياناً أخرى، ولاحتى ألغي أنه قد يحارب الثقافة وكل مايمت لها بصلة، لكنني أحاول أن أقول وبصوت عالٍ "سئمنا اللوم" وبأننا ومنذ عشرات السنين ونحن نجتمع ونعقد المؤتمرات ونخرج بتوصيات لحل مشكلة قلة القراءة عند المواطن العربي واضعين اللوم الأكبر على المواطن متناسين أو متجاهلين الأسباب أوالمسببات التي أدت في النهاية لمثل هذه النتيجة، وأنّ علينا بادئ الأمر أن يبدأ التغيير من أصحاب المسؤلية كل في مجاله ومكانه وأنا على يقين وثقة بالله وتوفيقه بأننا لو عملنا على حل هذه الأمور كأصحاب مؤسسات وكتّاب ومؤلفين ودور نشر لتغير الوضع تماماً، ولانقلب حال الأمة (وتغيير العوام) وإن لم يحدث (ولاأظن ذلك) حينها يمكننا القول بأن “أمة اقرأ لاتقرأ ” لكن اليوم آن الأوان " لنحاول قبل أن نلوم" !!

انضم لقائمة مسموع البريدية
 



جميع الحقوق محفوظة © 2017 لشركة مسموع للمعرفة الصوتية
All Rights Reserved © 2017 for Masmoo3